منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، دخل الاقتصاد العالمي مرحلة ممتدة من الاضطراب الهيكلي، تكبّد خلالها خسائر مباشرة وغير مباشرة على مدار أربع سنوات، تمثلت في تباطؤ معدلات النمو، وتصاعد معدلات التضخم إلى مستويات تاريخية، واهتزاز سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء، فضلاً عن إعادة تشكيل خرائط التجارة والاستثمار تحت ضغط العقوبات المتبادلة والمخاطر الجيوسياسية.
دفعت الصدمة المزدوجة لأسعار الطاقة والتشديد النقدي البنوك المركزية إلى سياسات انكماشية حادة، ما عمّق كلفة التمويل وأضعف شهية المخاطرة، في وقت تحمّلت فيه الاقتصادات الناشئة العبء الأكبر نتيجة تقلبات العملات وتدفقات رؤوس الأموال. وبذلك تحوّلت الحرب من نزاع إقليمي إلى عامل ضغط بنيوي أعاد تعريف معادلة الاستقرار الاقتصادي العالمي.
يشير تحديث صندوق النقد الدولي (IMF) الصادر في يناير/ كانون الثاني 2026 إلى أن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة من "الاستقرار الهش"، حيث رُفعت توقعات النمو العالمي إلى 3.3% لعام 2026.
ومع ذلك، لا تزال الفجوة تتسع بين القوى الاقتصادية؛ فبينما تقود الولايات المتحدة التعافي، لا تزال منطقة اليورو، وخاصة ألمانيا، تعاني من انكماش في النشاط الصناعي نتيجة فقدان ميزة الطاقة الروسية الرخيصة، وهو ما يبرز تساؤلاً حول علاقة استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتأثيرها على نمو الاقتصاد العالمي، فضلاً عن تأثيرها الاقتصادي على أطراف النزاع الرئيسية.
منذ العام 2021، ارتفعت أسعار الكهرباء الصناعية في أوروبا بمتوسط 58%، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى التحول من الغاز الروسي عبر الأنابيب إلى واردات الغاز الطبيعي المسال الأكثر تكلفة، حسب تقديرات KPMG – European Economic Outlook.
وعلى الرغم من أن حصة مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء ارتفعت من 34% في عام 2019 إلى 47% في عام 2024، فإن الغاز الطبيعي ما زال يمثل مورداً أساسياً على الهامش، مما يبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة.
وأسهمت تكاليف الطاقة المرتفعة فى إجبار المصانع الأوروبية على خفض خطوط إنتاجها، مما جعل النمو في القارة العجوز يراوح مكانه عند 1.3% فى 2025، بينما تشير التوقعات إلي اتجاهه للهبوط أكثر فى 2026 ليسجل 1.1%.
الاقتصاد الروسي
بالنسبة لروسيا، فرغم عدم كفاية الأرقام والإحصاءات اللازمة لرصد حجم الخسائر الروسية، فإن تقارير صحافية غربية تناولت بعضاً من جوانب الأزمة مركزة على حجم التحديات التي خلقتها حالة العزلة الاقتصادية الدولية التي فرضها الغرب على روسيا فى أعقاب إندلاع الحرب.
وحتى مع تعافي إجمالي إيرادات الميزانية الروسية إلى مستواها المعتاد قبل عام 2022 كحصة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2024، تضطر الحكومة بشكل متزايد إلى رفع الضرائب المحلية لتعويض المساهمة المنخفضة من مبيعات النفط والغاز، حسب تقرير فينانشال تايمز الصادر فى 8يناير/كانون الثاني 2026.
وبسبب الاحتياج المتواصل لتمويل الحرب، أصبحت موسكو مضطرة لجمع المزيد من التمويل من الداخل، و كانت طباعة النقد هي الوسيلة المتاحة للحكومة/ مما يهدد زيادة التضخم.
اقرأ أيضاً: روسيا: إنفاق الحرب في أوكرانيا سيصل إلى 5.1% من الناتج المحلي في 2025
وتقول صحيفة The Economist في تحليل أن الاقتصاد الروسي سيواجه عاماً هو الأصعب منذ بدء الحرب؛ لأن عائدات النفط والغاز انخفضت بنسبة 22% خلال العام الماضي 2025، واقترب عجز الموازنة من 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مع عجز الحكومة عن الاقتراض الخارجي ولجوئها لرفع الضرائب المحلية.
اقتصاد أوكرانيا
أما لجهة أوكرانيا، فقد طالت الحرب جميع قطاعات الاقتصاد الأوكراني وأثرت عليه بنسب متفاوتة طوال الأزمة. وقد يختصر الرقم 500 مليار دولار، الذي تقدره الأطراف الدولية والمؤسسات الدولية كتكلفة لإعادة الإعمار، عمق الأزمة التي عصفت بقطاعات الاقتصاد الأوكراني منذ 2022.
وتواجه أوكرانيا تحدياً تاريخياً في إعادة بناء منظومتها اللوجستية التي تعرضت لاستهداف ممنهج هو الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية. وبحسب التقديرات التي نقلها الخبير الاقتصادي بجامعة ميريلاند، أوليكسندر شوبيتيلو، فإن قطاع النقل وحده يحتاج إلى استثمارات بقيمة 78 مليار دولار، ما يمثل 15% من إجمالي فاتورة إعادة الإعمار البالغة 524 مليار دولار.
كما طالت الحرب العصب الحيوي للاقتصاد، حيث خرج ما بين 6,300 إلى 10,000 كيلومتر من السكك الحديدية عن الخدمة، وتدمر 305 جسور برية، مما أدى لتقليص القدرة الاستيعابية للشبكة بنسبة 23%.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، تسببت الحرب في فقدان أوكرانيا لحوالي ثلث طاقتها الإنتاجية الزراعية. ورغم محاولات فتح ممرات الحبوب، إلا أن تقارير صحافية تنقل عن مسؤولين دوليين أن أسعار الأسمدة والمدخلات الزراعية عالمياً لا تزال مرتفعة بنسبة 20% عما كانت عليه قبل 2022، مما يضع الدول منخفضة الدخل أمام خطر تضخم أسعار الغذاء.
وفى ملف إعادة الإعمار، حذر البنك الدولي من أن تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا، التي تجاوزت تقديراتها 500 مليار دولار، ستضغط بشدة على ميزانيات المساعدات الدولية، عند بدأها فى أعقاب انتهاء الحرب.
الخسائر الدولية
وفي سياق أوسع، تظهر أحدث البيانات ارتفاع تكاليف الشحن البحري والجوي بنسب تتراوح بين 15% و25% نتيجة تجنب المسارات القريبة من مناطق النزاع والاعتماد على طرق أطول وأكثر أماناً، إذا ما قورنت الأسعار بفترة ما قبل اندلاع الحرب.
هذا التحول أدى إلى استثمارات ضخمة في الموانئ الآسيوية والأميركية، لكنه في المقابل زاد من تكلفة المنتجات النهائية للمستهلكين في الدول النامية.
وتحولت الأزمة إلى محرك رئيسي لتضخم أسعار الشحن، حيث سجل النقل البحري تقلبات سعرية حادة. ففي الأسبوع الأول فقط من الحرب، قفزت المعدلات اليومية للناقلات من 10 آلاف دولار إلى 170 ألف دولار، بزيادة قدرها 1600%.
هذه القفزات انعكست فوراً على المستهلك النهائي، حيث ساهم ارتفاع مؤشر البلطيق الجاف بنسبة 59% في زيادة أسعار الغذاء العالمية بنسبة 3.7%، مما فاقم من أزمات الأمن الغذائي في الدول النامية.
ولم يسلم قطاع الحاويات من هذه الموجة، إذ تضاعف مؤشر شنغهاي للشحن بأكثر من 122%، بينما حلقت أسعار الشحن على مسارات آسيا-أوروبا بنسبة 256% نتيجة تحويل المسارات بعيداً عن مناطق النزاع والتهديدات في البحر الأحمر.
كما شهدت سوق التأمين البحري ارتفاعاً جنونياً، حيث قفزت أقساط مخاطر الحرب لتصل في ذروتها إلى 5% من قيمة السفينة، مما أضاف طبقة جديدة من التكاليف على حركة التجارة الدولية.
وفي أوروبا، ورغم نجاح مبادرة "ممرات التضامن" في نقل بضائع بقيمة 219 مليار يورو، إلا أن الكفاءة جاءت على حساب التكلفة، التي ارتفعت بنسبة تتراوح بين 15% و30% مقارنة بمسارات ما قبل الحرب.
أزمة طاقة
وتزامن ذلك مع أزمة طاقة طاحنة رفعت أسعار الديزل في الاتحاد الأوروبي بنسبة 69% في أوائل 2022، مما أدى لزيادة تكاليف النقل بالشاحنات عبر الحدود الأوروبية بما يصل إلى 4 أضعاف، لتؤكد هذه المؤشرات أن فاتورة الحرب لم تدفعها كييف وحدها، بل تقاسمها الاقتصاد العالمي بأسره.
يقول خبير العلاقات الدولية بمؤسسة الأهرام المصرية،أيمن سمير، إن الحرب أفرزت خسائر بشرية هائلة تجاوزت المليون قتيل وجريح من الطرفين، وهو ما أشار إليه معهد دراسات الحرب في واشنطن، ما يضع قوة العمل المتاحة فى الاقتصادين تحت ضغط هائل.
ويوضح أن روسيا تواجه أزمة ديموغرافية بسبب انخفاض معدلات الخصوبة وصعوبة تعويض خسائرها البرية، فيما تعاني أوكرانيا بشدة نظراً لمحدودية عدد سكانها البالغ نحو 40 مليون نسمة.
وأضاف أن روسيا خسرت نحو تريليون دولار من الحرب المستمرة شاملة أموالها المجمدة في الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن انهيار مشروع "نورد ستريم 2" وتراجع صادراتها من الغاز الطبيعي إلى أوروبا، ما أجبرها على بيع منتجاتها للصين وآسيا بخصومات تصل إلى 30%، وهو ما قلّص عائداتها بشكل كبير وأفقدها نفوذها التقليدي في البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى.
دمار واسع
وعلي الجبهة الأوكرانية، يؤكد مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية (IGP) في موسكو، عمرو الديب،، أن البنية التحتية الأوكرانية تعرضت لدمار واسع، فيما تواصل روسيا تهديداتها العسكرية وتوسيع نفوذها الجغرافي، ما تسبب فى هجرة الملايين من المواطنين الاوكرانيين للخارج، وتعطل عجلة الاقتصاد بشكل شبه كامل.
ويشير إلى أن استمرار الصراع ينعكس اقتصادياً على العالم، حيث استفادت الهند والصين من الطاقة الروسية الرخيصة، بينما تعاني أوروبا من ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة زيادة صادرات الغاز الأميركي إليها.
إعادة تشكيل سلاسل الإمداد
بدوره، يقول كبير الباحثين في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية لدى أكاديمية العلوم الروسية، نيكولاي سوخوف، إن استمرار الحرب أدى إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، ما زاد الضغوط التضخمية على الاقتصادات الكبرى.
ويوضح أن روسيا، رغم محاولاتها التكيف عبر تعزيز شراكاتها مع الصين، تواجه تحديات كبيرة بسبب القيود على الواردات وحظر التصدير، وهو ما يضعف قدرتها على النمو المستدام.
وأضاف أن الحرب لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل تحولت إلى عامل رئيسي في إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي عالمياً، حيث تدفع أوروبا ثمناً باهظاً، فيما تستفيد قوى آسيوية من الفرص التي خلقتها الأزمة.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي